الشيخ محمد رشيد رضا
19
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والاستفهام هنا للانكار أي لا فائدة لكم البتة في عدم الأكل مما ذكر اسم اللّه وحده عليه دون ما أهل به لغيره كما يفعله المشركون من قومكم وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أي والحال انه فصل لكم ما حرم عليكم وبينه بقوله الآتي في هذه السورة قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ - فَإِنَّهُ رِجْسٌ - أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) أي ذكر اسم غيره عليه عند ذبحه كأسماء الأصنام أو الأنبياء والصالحين الذين وضعت الأصنام والتماثيل ذكرى لهم . والتفصيل والتبيين واحد فهو فصل بعض الأشياء وإبانتها من بعض آخر يتصل بها اتصالا حسيا أو معنويا - كالأمور التي يشتبه بعضها ببعض حتى تعد كأنها شيء واحد في الجنس إذا أزلت ما به الاشتباه بينها بما يمتاز به بعضها عن بعض وجعلتها أنواعا تكون قد فصلت كل نوع من الجنس وأبنته من الآخر . وتكرير الفصل هو التفصيل . وقوله إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ استثناء مما حرمه فمتى وقعت الضرورة بأن لم يوجد من الطعام عند شدة الجوع إلا المحرم زال التحريم ، وهذه قاعدة عامة في يسر الشريعة الاسلامية والضرورة تقدر بقدرها فيباح للمضطر ما تزول به الضرورة ويتقي الهلاك ، وقد تقدم ذلك في تفسير آية التحريم المفصلة في أوائل سورة المائدة . ولعل بعض المؤمنين كانوا يأكلون مما يذبح المشركون على النصب ويهلون به لغير اللّه قبل نزول هذه الآيات بل مثل هذا من الأمور المعتادة التي لا يتركها أكثر الناس إلا بعد التصريح بتحريمها عليهم ، وانما يفطن لقبحها خواص أهل البصيرة فيتنزهون عنها قبل أن تحرم عليهم ، ولذلك بينت بما ترى من الاسهاب والاطناب أأهل الكوفة غير حفص « فصل » بفتح الفاء و « حرم » بضم الحاء ، وأأهل المدينة وحفص ويعقوب وسهل الفعلين بفتح أولهما وأهما الباقون بضم أولهما ، ولا فرق بين هذه الاءات في المعنى وانما هي توسعة في اللفظ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أالجمهور يضلون ( بضم الياء ) وأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بفتح الياء والأولى أبلغ وفائدة الاءتين بيان وقوع الامرين بالايجاز العجيب ، والمعنى ان من الثابت القطعي أن كثيرا من الناس يضلون غيرهم كما ضلوا في مثل أكل ما أهل به لغير اللّه بذكر اسم ذلك الغير من نبي أو صالح أو وثن وضع لتعظيمه